يقترب رمضان، فيهدأ العالم قليلًا، كأن المدن تخفّف نبضها، وكأن المساء يمدّ على القلوب سكونًا رقيقًا. يشعر المرء أن الزمن يزيح ستارًا خفيًا عن الداخل، وأن بابًا قديمًا يُفتح من جديد. إنه موسم لاستكشاف طبقات الشخصية والعلاقات، ولعلّ الإنسان يختار في هذا الشهر أن يقف عند ثلاث دوائر كبرى: علاقته بروحه، و بجسده، وعلاقته بالآخرين؛ فهذه الدوائر الثلاث هي التي يُنسج منها كيان الإنسان كله.
في الطبقة الأولى، يعود إلى روحه، قد يبدأ بخطوة هادئة؛ أن يمسك مصحفًا مظلَّل الحروف، مثل مصحف (نون) أو غيره، فيخطّ الآيات بيده. هناك لا تمرّ الكلمات عابرة، بل تمكث، تسكن الكف، ثم تنحدر في مجرى القلب. يشعر أن الخطّ صلاة، وأن الحروف أنفاس، وأن كتابة الآيات ليست نقلًا للنص فحسب، بل إعادة كتابة للنفس، وصياغة للروح، حتى يبدو الإنسان وكأنه يولد من جديد، أنقى سريرةً، وأصفى بصيرةً، وأهدأ حضورًا.
ثم تأتي الطبقة الثانية: علاقته بجسده. في الصيام يكتشف أن الوفرة ليست في كثرة الطعام، بل في خفة الروح بعده، وأن الجوع أحيانًا باب شبعٍ أعمق، وأن الاعتدال ميزانٌ خفيّ يعيد ترتيب الداخل. فيتعلم أن يدير شهوته كما يدير وقته، وأن يصغي إلى جسده كما يصغي إلى قلبه، فيخرج من الشهر أخفّ خطوًا، أهدأ نفسًا، أكثر قدرة على ضبط إيقاع حياته.
أما الطبقة الثالثة، فهي علاقته بالآخرين. يتذكر علاقات بردت، ووجوهًا غاب عنها السؤال، وودًّا تأخر عنه السلام. هنا تصبح المبادرة نورًا، والتسامح رفعة، والودّ طريقًا من طرق النجاح. فالناس في حياة الإنسان إمّا أحباب، أو أعداء، أو محايدون. وقد يفكّر المرء في ترقية شخص واحد من كل فئة؛ فلو حيّد عدوًا، أو حبّب محايدًا، لكان ذلك إنجازًا كبيرًا. وليس ذلك عسيرًا كما يُظن؛ فكلمة طيبة، وابتسامة لائقة، قد تغيّر مسار القلوب، كما في قوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ». وعلى الإنسان ألا ينسى الهامشيين في يومه؛ أولئك الذين يمرّون مرور الظل، بينما قد يكون له هو في حياتهم معنى كبيرًا: عمّال النظافة، ومن يخدمون بصمت، ومن يلتقيهم في العمل أو في ميادين التطوع. فلعل التفاتة صادقة أو ابتسامة نقية، أو كلمة دافئة، تضيء يومهم كاملًا.
حين يولد الهلال، لا يبدو موعدًا يتكرر، بل نافذة فريدة، وفرصة لا تشبه سواها. يدخلها الإنسان خفيفًا، ويخرج منها أوسع قلبًا، وأهدأ جسدًا، وأقرب روحًا.
وختامًا، أمِّن معي قارئي الكريم: «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ»، واجعلنا ممن يصومه إيمانًا واحتسابًا، وبلّغنا ليلة القدر لا فاقدين ولا مفقودين، واجعلنا من عتقائك من النار. آمين.
رمضان قد يعود، لكن التحدي أن يستعيد الإنسان نفسه بعده؛ فالسعيد من خرج منه بقلبٍ غير الذي دخل فيه.