إن المترادفات في لغتنا العريقة لا تعني التطابق التام، بل التشابه النسبي مع وجود فروق دلالية دقيقة في المعنى ولكل لفظ من هذه الألفاظ المتجاورة في المعاجم مقاماتٌ في النفس، يعلو بها الإنسان أو يهوى. وقد تتشابه صورها في الظاهر، لكن سرائرها متباعدة كالماء والسراب.
ولنبدأ مع الغرور: فالغرور انتفاخٌ قبل الامتحان، وصوتٌ يسبق القدرة. هو صورةٌ متضخمة ترسمها النفس لنفسها، ثم تصدّقها. لذلك قيل في المغرور المخدوع بحجمه الوهمي: (كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسد)، فهو هيئة الشجاعة لا حقيقتها، وضجيج القوة لا جوهرها. يعيش صاحبه في مرآةٍ مصقولة بالوهم، فإذا هبّت رياح التجربة انكسر الزجاج، وبان الحجم الحقيقي. فالغرور جهلٌ يلبس ثوب العلم، وثقةٌ مزيفة لا جذور لها، يورث صاحبه قلقًا؛ لأنه مهدد بالانكشاف متى وضع على المحك الحقيقي وأي امتحان جاد لقدراته المزعومة قد يفضحه.
وأما العُجب فآفةٌ ألطف مسًّا وأدقّ مسربًا. هو سرور النفس بما فيها حتى تنسى من وهبها. يقف الإنسان عند فضيلةٍ أو نجاح، فيتأملها حتى يستغرق فيها، فيضيق أفقه، ويغيب عنه اتساع العالم. لا يرى نفسه فوق الناس، لكنه يراها كافيةً بذاتها، مكتفيةً عن الزيادة. ومن هنا يتسلل إليه النقص في صورة كمال، ويذبل النمو في هيئة الرضا.
وفي مقابل ذلك تقف الثقة كوقفة الشجرة الراسخة. ليست صخبًا ولا انتفاخًا، بل استعدادٌ وتراكم خبرة، وسجلّ انتصارات وتجارب في الميدان نفسه أو في ميادين تشبهه. هي معرفةٌ مجرَّبة، لا دعوى مرسلة؛ سكونُ من تمرّس، وطمأنينةُ من خَبِر. لذلك لا تتكلف الظهور، ولا تحتاج إلى إعلان؛ تمضي هادئةً لأن الطريق مألوف، ثابتةً لأن القدم وطئته مرارًا.
وهكذا يتبيّن أن الفارق في المنبع قبل المظهر. ما وُلد من الوهم أورث اضطرابًا وانكسارًا، وما وُلد من المعرفة أورث ثباتًا واتزانًا. والحكيم من راقب قلبه، فلا يتركه ينتفخ بالغرور، ولا ينغلق بالعجب، بل يروّضه حتى تصير ثقته نورًا يهديه، لا دخانًا يعميه.